رأي: المشكلة ليست في الفيديو القصير بل في أننا نسينا كيف نشعر بالملل
في طابور البنك، في المصعد، في الثواني التي يستغرقها غليان الماء: كل فراغ في اليوم صار يُملأ بمقطع قصير. لا أكتب هذا لألوم المنصات، فقد كتب غيري كثيراً في ذلك. أكتبه لأسأل: ماذا كنا نفعل في تلك الفراغات قبل أن تُملأ؟
ما كان يحدث في الفراغ
الملل ليس غياب النشاط، بل الحالة التي يتحول فيها العقل من استقبال العالم إلى صناعة شيء منه: تذكر محادثة، حل مشكلة معلقة، أو مجرد فكرة عابرة تصبح مشروعاً. الدراسات التي تربط الملل بالإبداع كثيرة، لكن لا حاجة إليها: تذكر فقط أين جاءتك آخر فكرة جيدة. على الأرجح لم يكن أمام شاشة.
«الفيديو القصير لا يسرق وقتنا، بل يسرق فراغنا. والفراغ هو المادة الخام التي تُصنع منها الأفكار».
لست أدعو إلى رومانسية الماضي. كان الناس قبل الهواتف يملؤون الفراغ بالصحف والسجائر والثرثرة، ولم يكن كل ذلك تأملاً. الفرق أن تلك الأشياء كانت تنتهي: الصحيفة تُطوى والسيجارة تنطفئ والمحادثة تصمت. أما المقاطع فلا تنتهي أبداً، وهذا ما يحول الفراغ من فترة بين نشاطين إلى نشاط لا نهائي بحد ذاته، لا يترك للعقل لحظة يقرر فيها ماذا يفعل تالياً.
لماذا لا يكفي الحذف
جربت حذف التطبيقات لشهر، وعادت الفراغات، لكنني لم أعرف ماذا أفعل بها في الأيام الأولى. كنت أخرج الهاتف لأتفقد البريد بدلاً من المقاطع. المشكلة أعمق من تطبيق: لقد فقدنا عادة احتمال الملل ونحتاج إلى تعلمها من جديد كما نتعلم أي عادة.
ثلاثة تمارين صغيرة
- طابور واحد يومياً بلا هاتف، مهما كان قصيراً.
- مشي عشر دقائق بلا سماعات ولا شاشة.
- ترك الهاتف في غرفة أخرى أثناء الطعام.

ما يقوله العلم باختصار
تُظهر دراسات التصوير العصبي أن الدماغ في حالة الراحة الظاهرة ليس مرتاحاً على الإطلاق، بل ينشط فيه ما يسميه الباحثون شبكة الوضع الافتراضي، وهي المسؤولة عن الربط بين الذكريات والتخطيط للمستقبل وفهم الآخرين. المقاطع القصيرة لا تمنع هذه الشبكة من العمل، لكنها لا تترك لها فرصة، لأن كل مقطع جديد يعيد الدماغ إلى وضع الاستقبال قبل أن يبدأ التفكير. الفراغ إذن ليس غياباً للنشاط بل نشاط من نوع آخر.
لن يعيدنا هذا إلى عالم بلا شاشات، ولا أريد ذلك. لكنه يعيد إلينا ملكية الفراغ، وهو أثمن ما نملك من الوقت لأنه الوحيد الذي لا يطالبنا بشيء.
مقالات ذات صلة
تحدي الصمت: لماذا ينتشر مقطع لا يحدث فيه شيء أسرع من أي شيء آخر
عشرون ثانية من الصمت والجلوس بلا هاتف، ومئات الملايين من المشاهدات. تحدٍّ يبدو سخيفاً لكنه يقول شيئاً حقيقياً عن جيل تعب من الضجيج.
اقتصاد صناع المحتوى بالأرقام: واحد في المئة يكسبون وتسعة وتسعون يدفعون ثمن الحلم
استطلاع شمل خمسمئة صانع محتوى عربي يكشف الفجوة بين ما يظهر على الشاشة وما يصل إلى الحساب البنكي.
سلة الهواتف على طاولة العشاء: تجربة عشر عائلات مع قواعد الشاشة
عشر عائلات، ثلاثة أسابيع، وقاعدة واحدة: الهواتف في السلة أثناء الطعام. ما الذي تغير، وما الذي كان أصعب مما توقعوا.